سؤال «لماذا خلقنا الله؟» ليس بعيدًا عن تفاصيل اليوم. يظهر عندما تختار ما تقضي فيه وقتك، أو تسأل عن معنى العمل، أو تشعر أن المهام تتكرر دون اتجاه. يقدم القرآن أصلًا واضحًا لغاية الخلق، ثم نحتاج إلى فهم كيف نعيش في ضوء هذا الأصل، من غير أن نحول الحياة إلى شعارات عامة أو نختزل العبادة في صورة واحدة.
الجواب القرآني عن غاية الخلق
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. تضع الآية العبادة في قلب الغاية، فتذكّر الإنسان بأنه ليس مستقلًا عن ربه ولا مستغنيًا عنه. الذاريات: 56.
من المهم أن نقرأ هذا الجواب بوصفه توجيهًا للعلاقة بالله، لا مجرد جملة تحفظ لسؤال معرفي. ما الذي أحتاج إلى تعلمه لكي أعبد ربي على علم؟ وما الذي يشغلني حتى أنسى واجباتي؟ هذان سؤالان يساعدان على نقل الغاية من فكرة بعيدة إلى مراجعة قريبة للحياة.
ولمن يبدأ التعرف إلى الدين، تبقى معرفة الله وتعلم أصول العبادة خطوة ضرورية؛ فلا نبني تصورنا عما يرضيه على الذوق الشخصي وحده، ولا على ما يشيع بين الناس بلا مصدر.
لا تفصل العبادة عن مسؤوليتك تجاه الناس
تجمع آية من سورة النساء بين الأمر بعبادة الله وعدم الشرك به، والإحسان إلى الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والجيران. وهذا يلفت الانتباه إلى أن العلاقة بالناس ليست هامشًا يمكن تجاهله عند الحديث عن الدين. النساء: 36.
تخيل شخصًا مهتمًا بالقراءة الدينية لكنه لا ينتبه إلى الأذى الذي يسببه في منزله أو عمله. المثال لا يدعونا إلى الحكم على قلبه، بل إلى مراجعة الفصل المصطنع بين التعلم والتعامل. يمكنه أن يسأل: أين يظهر ما تعلمته في كلامي، واحترامي لوقت الآخرين، ورعايتي لمن يحتاج إليّ؟
هذه أسئلة تطبيقية مقترحة، وليست قائمة تستوعب أحكام المعاملات. التفاصيل التي تتصل بعقود أو حقوق أو نزاعات تحتاج تعلمًا خاصًا، ولا يكفي فيها شعار أن المقصد طيب.
النية تعطي الاختيار وجهته
يفتتح صحيح البخاري بحديث عمر بن الخطاب في النيات، وفيه بيان أن الأعمال بالنيات وأن للإنسان ما نوى. يلفت الحديث نظرنا إلى المقصد الذي نحمله عند العمل، لا إلى الصورة الخارجية وحدها. صحيح البخاري، حديث 1.
يمكن أن يراجع الطالب سبب تعلمه، وأن يراجع العامل مقصد إتقانه، وأن يفكر من يساعد غيره في حاجته إلى المدح. هذه أمثلة لفهم أثر النية، وليست أحكامًا على ثواب كل عمل بعينه. ولا يكفي أن نسمّي مقصدنا حسنًا لنتجاوز السؤال عن صحة الوسيلة أو حقوق الآخرين.
لذلك اجمع بين سؤالين: لماذا أفعل هذا؟ وهل طريقة فعله صحيحة؟ وإذا لم تعرف جواب الثاني، فتعلم أو اسأل. وللتوسع في مراجعة المقصد دون تكلف، اقرأ الإخلاص والنية.
كيف أرتب يومي في ضوء هذه الغاية؟
ابدأ بتمييز ما عليك من مسؤوليات، وما تحتاج إلى تعلمه، وما يستهلك وقتك بلا فائدة واضحة. لا تحتاج إلى إعادة بناء حياتك كلها في ليلة واحدة. اختر جانبًا محددًا: عبادة تحتاج فهمًا، أو عادة تعطل واجبًا، أو علاقة تحتاج إحسانًا.
يمكنك كتابة ثلاثة أسطر: «ما الذي يلزمني اليوم؟ ما الذي أحتاج إلى معرفته؟ ما الشيء الذي يمكنني تقليله؟». هذه أداة تنظيم اختيارية، وليست وردًا شرعيًا ولا طريقة مخصوصة للحصول على الأجر. فائدتها أن تجعل قرارك أكثر وعيًا بدل الحركة بين المهام بلا مراجعة.
ولا تختزل معنى الحياة في نجاح مهني أو مستوى إنجاز واحد. هذه أمور تحتاج تدبيرًا، لكنها ليست جواب الآية عن غاية الخلق. اعمل فيما ينفعك، وتعلم حدود مسؤوليتك، واترك مساحة للسؤال والتصحيح.
هل عليّ فهم كل أبواب الدين قبل البداية؟
ابدأ بما تحتاج إليه، ثم زد علمك بالتدرج. الغاية واضحة، أما تفاصيل التطبيق فتتعلمها شيئًا فشيئًا. ويمكنك الانتقال إلى التوكل على الله لفهم كيف يجتمع السعي مع الاعتماد عليه، دون ادعاء التحكم في جميع النتائج.
